السيد محمد حسين الطهراني
121
معرفة الإمام
أمّا الذي ارتكب تلك الجريمة المروّعة فهو السلطان محمود الغزنويّ الذي عُرِفَ عنه تعصّبه وتكبّره وتعجرفه واستبداده . وقد سيّر جيشاً جرّاراً إلى المدينة لتشيّع أهلها وانتشار العلم في ربوعها ، ورواج المذهب الشيعيّ في أرجائها . واقترف مذبحة جماعيّة بحقّ الأهالي ، وأمر بإخراج الكتب من المكتبات ، وفرز الشيعيّة منها ووضعها جانباً ، فصارت كالتلّ العظيم ، ثمّ أحرقها جميعاً . وأحرقت مكتبة حلب ، ومكتبة طرابلس أيضاً . « 1 » وغدت مكتبة سابور ببغداد طعمة للحريق وكانت أعظم مكتبات الشيعة يومئذٍ .
--> ( 1 ) - قال آية الله الشيخ محمّد حسين المظفّر في ص 156 من كتاب « تاريخ الشيعة » بعد شرح مفصّل حول المذابح التي ارتكبها أحمد باشا الجزّار بحقّ الشيعة في جبل عامل : ولمّا دخل الجيش الفرنسيّ تحت قيادة نابليون بونابرت بلاد الشام ، وجد الشيعة والصفديون بسببه الراحة وتخلّصوا من ظلم الجزّار وعتوّه . ولمّا انجلى الفرنسيّون واطمأنّ الجزّار في ولايته اشتدّ على بلاد بشارة وساحل صفد ، ولم يسمع بكبير أو ذي جاه إلّا أخذه أخذ عزيز مقتدر ، واستصفى أمواله ، وتركه لرحمة زبانية عذابه في سجنه ، ودامت الحال من عام 1209 إلى 1219 عشر سنين أهلك فيها الحرث والنسل . وضغط على العلماء وتعقّبهم قتلًا وسجناً وتعذيباً ، وتشتّت من بقي منهم في أقطار الأرض ، واستصفى آثارهم العلميّة . وكان لأفران عكّا من كتب جبل عامل ما أشعلها بالوقود اسبوعاً كاملًا . وكانت هذه الضربة الكبرى على العلم وأهله . وخلت جبال عاملة من رجال العلم بعد أن كانت زاهرة الربوع بالعلماء وأرباب الفضل والتأليف . وممّن فرّ من العلماء من ظلم الجزّار : العالم الكبير والشاعر المبدع الشيخ إبراهيم يحيى ، قطن دمشق الشام . ويليه الشيخ على الخاتونيّ الطيب الفقيه والعالم بعِدّة علوم ، هاجر في طلبها إلى إيران . وقد صودرت أمواله وضُبطت أملاكه ، وحُبس مرّتين ولم تُقبل منه فدية . ثمّ اخذت المكتبة الكبرى التي كانت لآل خاتون ، وكان الشيخ المذكور ولى أمرها ، وكانت تحتوي على خمسة آلاف مجلّد من الكتب الخطّيّة النادرة ، فأمست في عكّا طُعمةً للنار .